أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

125

عجائب المقدور في نوائب تيمور

وطراشته ، مدة اقامته على بهنسا ، وقتل منهم جماعة ، وأرسل رؤوسهم إلى حلب وكسر تومانا كان جهزه إليه أقبح كسرة ، حتى رمى غالب جماعته بأنفسهم في الفراه وجهز تمرلنك كتابه إلى المشار إليه ، ونصه يقول فيه : إني خرجت من أقصى بلاد سمرقند ، ولم يقف أحد أمامي ، وسائر ملوك البلاد حضروا إليّ ، وأنت سلطت على جمائعي من يشوش عليهم ، ويقتل من ظفر منهم ، والآن فقد مشينا عليك بعساكرنا ، فإن أشفقت على نفسك ورعيتك ، فاحضر إلينا لترى من الرحمة والشفقة مالا مزيد عليه ، وإلا نزلنا عليك ، وخربنا بلدك ، وقد قال الله تعالى إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ « 1 » فاستعد لما يحيط بك إن أبيت الحضور . فأمسك المشار إليه الرسول وحبسه ، ولم يلتفت إلى كلام تمرلنك ، فمشى إليه أوائل عسكره ، فبرز إليهم المشار إليه ، وقاتلهم وكسرهم ، وفي اليوم الثاني حضر تمرلنك على قلعة المسلمين ، وبرز إليهم المشار إليه ، وقاتله قتالا شديدا ، وكانت وقعة عظيمة ، رأى منها منه تمرلنك شدة وحزم ، ورجع عن محاربته ، وأخذ في مخادعته وملاطفته ، وطلب منه الصلح ، وأن يرسل إليه خيلا ومالا لأجل حرمته ، فلم ينخدع منه ، وتنازل معه إلى أن طلب منه خادما فلم يعطه ، وعاد خائبا ، وأخذ المشار إليه في أواخره قتلا ونهبا وأسرا ، كل ذلك وباب قلعته مفتوح لم يغلقه يوما واحد . وأنشد فيه لسان الحال ، شعرا : هذا الأمير الذي صحت مناقبه * ليث الوغى عمت الدنيا مفاخره ولى تمرلنك مكسور أوائله * منه مرارا ومذعورا أواخره وكان حصول تلك السعادة للمشار إليه ، دون غيره من الملوك ، وأصحاب الحصون ، لما كان فيه من العلم والديانة والإخلاص ، والصيانة ، ولكونه من السلالة الطاهرة العمرية رضي الله عنها ، ولما كان

--> ( 1 ) - سورة النمل - الآية : 34 .